الشيخ السبحاني

132

مع الشيعة الإمامية في عقائدهم

الأمر الثالث : إنّ اطلاق البداء في هذه الموارد ، إنّما هو بالمعنى الذي عرفت ، وأنّ حقيقته بداء من اللَّه للناس واظهار منه ، ولو قيل بدا للَّه ، فإنّما هو من باب المشاكلة والمجاز ، والقرآن مليء به ، فقد نسب الذكر الحكيم إليه سبحانه المكر وقال : ( وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ) « 1 » وليست المناقشة في التعبير من دأب المحقّقين ، فلو كان أهل السنّة لا يروقهم التعبير عن هذا الأصل بلفظ البداء للَّه ، فليغيّروا التعبير ويعبّروا عن هذه الحقيقة الناصعة بتعبير يرضيهم . ولكن الشيعة تبعت النبي الأكرم صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في هذا المصطلح ، وهو أوّل من استعمل تلك اللفظة في حقّه سبحانه ، وما يؤكد ذلك هو ما رواه البخاري في كتاب النبوّة « قصّة بدء الخليقة » وفيها هذه اللفظة التي يستهجنها البعض ويتهم الشيعة بابتداعها واختلاقها ، فقد روى أبو هريرة : أنّه سمع من رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : أنّ ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى بدا للَّه أن يبتليهم ، فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرص فقال : أي شيء أحب إليك ؟ قال : لون حسن ، وجلد حسن ، قد قذرني الناس ، قال : فمسحه فذهب عنه فأُعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً ، فقال : أي المال أحب إليك ؟ قال : الإبل أو قال : البقرهو شك في ذلك أنّ الأبرص والأقرع قال أحدهما : الإبل وقال الآخر : البقرفأُعطي ناقة عشراء ، فقال : يبارك اللَّه لك فيها . وأتى الأقرع فقال : أي شيء أحبّ إليك ؟ قال : شعر حسن ويذهب

--> ( 1 ) . آل عمران / 54 ، وهنا آيات أُخرى يستدل بها على المشاكلة في التعبير عن الحقائق العلوية .